ريشة | مُجتمع الأدب العربيّ
ريشة | مُجتمع الأدب العربيّ

وعاد للقُدسِ “عُمر” ~

وصلَت هاتِفها رِسالة .. كان القلقُ قد نالَ مِنها .. فتحَتها بِلَهفة
“دعواتِك .. لرُبما المُلتقى جِنانُ الرحمن ”
ارتِعَدت .. صارت كورقةٍ في مَهبِّ ريحِ الخَريف ..
سقَط الهاتِفُ من يدِها وراحَ الصَّدى يُكررُ آهاتِها ..
تلألأت قطراتُ دمعٍ على مُقلَتيها ..
لملَمت ما بَقيَ من طيفِ قوةٍ فيها وأمسكت هاتِفها ..
“إذا بتحبني .. إوعدني لا تستشهد” ..!!
وعاوَدت البُكاء ..
هوَ ،، عِندما قرأ رِسالتها .. تزينت الدُنيا لهُ وكاد أن يتراجَع !
هبَّت نسمةٌ خفيفة تغلغلت في لِحيَتهِ .. خالَها من نسماتِ الجِنان ..!
هتَف : بل الشهادة ،، بل الرفيقُ الأعلى ~
بعثَ لها بِفَرح : ” راح أستقبلك على باب الجنة ،، لا تأخري .. إياكِ والدنيا” !
كانت كلِماتُهُ كالغيثِ أحيَت قلبَها الجاف .. روَتهُ فأزهَر .
تألَّقَت روحٌها .. وبدونِ وعيٍ شعرت بجَبهتِها تُلامِسُ الأرضَ تأبى الفِراق ..
أحسَّت بِدموعِها ماءً سلسَبيلاً غسَلَ صدأ الدُنيا وأزالَه ..
ردَّدتها بِيَقينٍ كامِل : بل الشَّهادة .. بل الرَّفيقَ الأعلى ~
باغَتَها بِرسالةٍ أُخرى : “وصيتي عُمر ،، فاتح أو شهيد ،، ”
لمسَت ولَدَها بحُبٍ شديد ،، كحُبِّها للشَهادة ..
همسَت في أذُنِهِ وهو نائم : شهيد بإذن الله .. وأنا أمٌ لشَهيد وزوجةٌ لشهيد ~
****
راحَت تُفَتِّشُ بينَ ذِكرَياتِها ..
تستَحضِرُه أمامَها ..
أول أذان ،، أول صلاةِ جماعة ،، وأولُ اقتِحام !
كانت قد زُفَّت إليهِ قبلَ يومَين .. في الثالِث ، اهتَزَّت الأرضُ وأعُلِنَتِ الطوارئ في الأقصى !!
لم تَشهَد من قَبلُ اقتِحاماً ولا رِباط ! ألبَسَها حِجابَها وشدَّ على يِدها ..
” للأقصى ” قالَها بحزمٍ فيهِ من الحُبِّ مافيه ..
” واليَهود” ؟ أجابَت بِخوف !
هُم سببُ ذهابِنا !
لم تَحلَم كَباقي الفتياتِ بشهرِ عسَلٍ أو مهرٍ ذو مبلغٍ وقدرُه !
مهرُها كان مسكَناً ترى فيهِ القُبَّةَ صباحَ مساء ..
وشهرُ العسلِ كان الرِّباط حيثُ يهوى الفُؤاد ~
نظَرَت إليهِ بفخرٍ وخَرَجا .. كانت مسافةُ دقائِق هيَ ما تفصِلُهُما عن الأقصى ..
” ممنوع الدُخول ! ناوِلوني الهويات ”
قالَها اللَّعينُ !
سَلَّما الهوياتِ للصهيوني على مَضَض !
صلّا الظُّهرَ جماعةً على الأبوابِ لإعاقةِ أي حركةٍ للصهاينة ..
أمسكَ بيدِها بعدَ الصلاةِ ودعا : اللهم شهادةً معاً على أرضِكَ هذه ..
اللهم سِواها لا أرضى رفيقةَ الجِنان ~
شَهادة ؟ رفيقةَ الجِنان ؟ من ثالِثِ يوم ؟!!
تذكَرت أنها عشِقَت من يعشقُ الجِهاد ! ،، تذكرت أنها زوجةٌ لرجلٌ تُشارِكها فيهِ الحورُ العين ..
كادَت دمعةٌ أن تسقُطَ خوفاً عليه .. ! أمسكتها وحبسَتها .. ما كانت تدري أنها ستذرِفُها يومَ حبسِه !
” استودعتُكِ ” .. هتَفَ بِها .. ” مُلتقانا عِند القُبة إلى حينِ إنهاءِ الاقتِحام ” ..
ودعَها وذهَبَ مع بقيةِ الرجال .. أما هيَ فبقيَت مع النِّساءِ تُرابِط ..
*****
غازات مُسيلة للدموع .. إغلاق المسجِد القِبَلي بالسَّلاسِل !
كانَ عيدُ الفِصحِ التوراتِي …
صحيحٌ أن المُرابِطاتِ استطَعنَ ردَّ المُحتَل ، إلا أنهُ كانَ يفوقٌهُنَّ عدداً وعُدة !
أثارَ رعبُها صوتُ القنابِل .. رأت شُباناً يسيرون مقيدي الأيدِ ..
“أبو عمر ، شفتوه ؟ ” سألت بلَهفة !
في السيارةِ السوداءِ يا أختي ..
وكانَ أول اعتقال !
شعرت بنسمةِ فخرٍ تغمُرها ،، وانسابَ نهرٌ من دموعٍ ساخِنة لامست وجنتيها ..
بقيت على الوعدِ مرابِطة .. وانتهى العيد ! ..
أسبوعٌ مَر .. لا تدري أكانَ يُزيِّنهُ الرباطُ أم يزيدهُ قُبحاً استباحةُ الأقصى واعتِقالُ حبيبِ الروحِ ؟!
تراءى لها قُبيلَ الفجرِ شبحُ خيالِه ..
خُيِّلَ إليها أنما سمعَت همساتِه !
فركَت عينيها وفغَرت فاهَها مشدوهة ! ارتسمت الابتِسامةُ على مُحيّاها .. وقبلَ أن تنطِقَ بحرفٍ واحدٍ ..
“لقد عُدت ،، خرجتُ البارِحةً ظُهراً ”
“ولِمَ لم تأتِ ؟! ”
” أبعدوني أم عُمر ! أُبعدتُ شهراً كامِلاً للضفةِ عنكم ” !
أما الشهر .. كانت لا تدري كيفَ مر وهو مُر ! ..
أما هو ،، فعادَ نحيلاً .. رسمَ السوادُ لوحةً تحتَ عينيه .. تغير خارجه لكن قلبهُ ازدادَ نقاءً .. وازدادت الروحُ صفاءً ~
وعُمَر .. كانَ قد اقتَرَبَ موعِدهُ ليَرى نورَ القُبةِ وسطوعَها ..
هكذا .. وكُلما أبعَدَت إسرائيلُ أو اعتقَلَت مُرابِطاً يخرُجُ بدلاً عنهُ ألف ويعودُ كما لو أن شيئاً لم يَكٌن ..
مرَّت الأيامُ و الأشهُر وأمُ عمَر رغمَ تخطيها الشهر التاسعَ في الحمل .. إلا أنها ما فارَقتِ الأقصى إلا لضَرورة ..
كانَت قد أقامَت حلقةَ تحفيظٍ لكبارِ السنِّ بعدَ العصر .. و أخرى للأطفالِ قبل الظهر ..
*****
قطعَ ذِكرَياتِها صوتُ عمَر .. ” إمي رايح أتوضى ونازل عالأقصى أصلي الظهر ”
” هو إنت صحيت يا إمي ؟ يلا لاحقتك ” ..
أمسكَ يدَها و صعَدا درجاتِ الأقصى يُسابِقُها للصلاة .. رأتهُ عِندَ أولِ دَرَجة ،، كيف جائَت الأقصى تحمِلهُ وليداً .. ها هُوَ في الثّامِنة .. كَبُرَ بسرعَةٍ وأصبَحَ للجِهادِ أهلاً .. رضَعَ الأقصى حليباً وتنفَّسَ حُروفَ اسمه ..
*****
كانَت ليلَةً ليسَت كَسابِقاتِها .. ليلَةً زُفَّ للجنةِ شُهداءٌ كما تَمنوا .. عاشوا في سَبيلِ الله حياتَهُم فكافأهُم الجبارُ بموتٍ في سَبيلِه ~
فَبَعدَ الاعتِقالِ الأول كان اعتِقالٌ آخر وإبعادٌ للخَليل ..
هُناك ، مع رُفَقائِهِ رُفقاءِ الشَّهادة .. خططوا لعمليةٍ استِشهاديَّة ..
عزَّ على نفسهِ أن يرتَقي شَهيداً دونَ أن يُخبِرَها .. أرسلَ لَها : ” إن أتتكِ بُندُقيَّتي .. فأطلِقي للفرحِ دموعاً ، ارفَعي رأسَكِ واحتَسِبيني شَهيداً أجولُ الجِنان ”
أرسَلت لهُ : ” إن أتتني بُندُقيَّتك فتهيَّأ لاستِقبالِ عُمَر ،، ” وانهَمَرَ شلالُ الدُّموع ..
مرَّت من أمامِ ناظِرَيها صورةُ عُمر ،، كيف كانَ يُسابِقُ أباهُ لصلاةِ الفجر …
ارتَسَمَت على شَفتيها ابتِسامةٌ حين هَتَف لها : ” سامعة المُؤذِّن ؟ وعد راح يجي يوم وتسمعي صوتي بداله ” ..
*****
ولأنَّ في الفجرِ استُشهِدَ ابنُ الخطّاب ،، ذاكَ الذي رَبَّتِ ابنَها عليه .. وكانَ لِعُمَرَ القُدوَة ..
ولأنَّ الفجرَ مُلتَقى الأحبةِ من نوعٍ خاص .. كانتِ العمَليةُ فجراً .. استُشهِدَ أبو عُمَر وأربعَةٌ من رِفاقِه مُقابِلَ عشرَةِ جُنودٍ صَهايِنة وسبعِ جَرحى ..
دَقَّ بابُها قُبيلَ الشُّروق .. وإذ بالبُندُقيَّةِ مٌرفقةً بِورَقة : ” الليلة في كمان عملية في القُدس .. عم بستنى عُمر عندي ،، بعد الأذان الأول عند باب المغاربة ،، في واحد لابس أخضر راح يدله عكل شي ”
سجَدَت شُكراً ,، وهتَفَت لعُمَر .. مدَّت إليه بالوَرَقة ، قرأها ، قبَّلَ يدَ أمهِ ، حضَنَها ..
” استودعتُكِ ربي أم عُمَر ، يلا نصلي وأجهِز حالي .. بدي رِضاكِ” ~
أمَّ فيها الظُّهر .. رأت فيهِ أباه .. كانَ مثلَهٌ تماماً !
بعدَ الصَّلاةِ بدأ يقرأ ” مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا”
ترَنَّمَت روحُها على صوتِه .. كم كانَ شَجِيَّاً !
قرأ بعَدها ” طه ” تِلكَ التي كانتِ السَّبَبَ في وِلادَةِ ” عُمَر ” ..
تَناوَلَ الغَداء .. وذَهَبا بعدَها للأقصى .. صلّا العصرَ والمغرِبَ والعِشاء ..
بعدَ العِشاءِ عادا للبيتِ معاً .. كانت الليلةَ الأخيرَةَ الي يُرافِقُها للأقصى ..
عطَّرته .. ضمَّتهُ لِصَدرِها .. شعَرَ بسُخونةِ الدُّموع ..
قَبَّلَ يداها وطلَبَ الرَّضا .. ألبسَتهُ لِباسَ الحربِ وناوَلتهُ البُندُقية .. أخرجتهُ خِلسَةَ ليلٍ وأخذَت مِنهُ الوصيَّة ..
أمساً قد ودَّعَت أباه .. حُرّاً شريفاً أِبِيَّا .. واليومَ تُلحِقُ بِهِ فتاه .. تَنفيذاً للوَصِيَّة ..
فجراً جاءَها خبرُ استِشهادِه .. سجدَت للهِ شُكراً أطلَقتِ الزغرودة ..
كَعُمَرَ ربَّته .. كعُمَرَ عاش .. وفجراً كعٌمرَ استُشهِد ..
وفداءً للأقصى .. ألفُ عمَر ..

عن نورة صلاح

شاهد أيضاً

ليتَه ابتسم

استقبلته عند الباب بابتسامة تترجم ما يخالج قلبها من محبة وسرورٍ حين لقياه، وما يعتصرها …

ريشة | مُجتمع الأدب العربيّ

في حضرة السادة الأشراف (1-2)

“مولاي صلي وسلم دائمًا أبدًا، على حبيبك خير الخلق كلهم”. ألحان وأناشيد تُسكر المريدين، فيطّوحون …

6 تعليقات

  1. مووووجعة .. والكاتبة رآآآآئعة

  2. رَنـا سَعــاده

    رائعه! استمري :))

  3. رناد الجديد

    يالله راااائعة حد الألم .. سلمت أناملك ..

  4. لصدقها وروعتها شعرت بكل كلمة بل بكل حرف كتبتيه !
    ننتظر المزيد من روائعك 🙂

شاركنا تعليقك =)

%d مدونون معجبون بهذه: