ريشة | مُجتمع الأدب العربيّ
ريشة | مُجتمع الأدب العربيّ

وِلادةُ هُدهُدٍ !

شمسُ المغيبِ أعلنت مَوعد رحيلها المعتاد ، واستَدارت نحوَ الجهةِ الأخرى من الأرض ،
لكننّي توقفت وناديتها فسمعتني ، قلتُ لها : يا شمسُ مهلاً ! مهلاً يَا نوراً أشرقَ في صُبحِ ظُلمةِ نفسي !
مهلاً لم يَحنْ موعد رحيلكِ ، مهلاً فرُبما لا أستطيعُ العيشَ بدونِ نُورك الّذي أضاءَ عليّ عَتمَتي .
ولكنّها أخبرتني بأنّها ماضيةٌ في طريقها ، فلم يسبق لها أن انتظرت بشرياً بإرادَتِها !
فأجبتُها بـ ” فماذا عساي أن أفعل ؟ ”
فنظرت إليّ بنظرةِ عطفٍ قاسية ، ثُم قالت : “إنّه نورٌ من جِنْس البَشر ، سَيولد اليوم على هيئة هدهدٍ جميل!”
وقالت : قُم بالبحثِ عنهُ ، فإنك إن رأيته فستعرفه من فورك ؛ والَزمه فإنّه مَن سَيُنير لكَ دربك ، ويَهدي طَريقك !!
فقلتُ لها “وكيف لي أن أعرف أنه هو مَن تقصدين ؟”
قالت لي : “إنه قريبٌ جداً منك .. وإنّه سوف يلزمُك لسنينَ طويلة ، ستكونان أجمل صديقين ! ، ستعرفان بعضكما مُنذُ لحظةِ لِقاكُما” .
حينها قد حل على الأرضِ ظلمةُ الغروب الّتي يُزيّنها الشفقُ الأحمر !
واستدرتُ عائداً إلى حيثُ كنت فلم ألبث حتى رأيتُ نوراً غريباً لا يرى أثراً له سواي ،
فاتجهت إلى حيث يُشّع فوجدتُّ مَا كنتُ أبحث عنه ، ملاكٌ بشري على هيئة هُدهد !
لم أعهد نفسي أنّها ستعيش على نورِ البشر ، لم أكن أعلم أنّ الشمس ليست المصدر الوحيد للنّور في هذا الكون
لم أكن أعلم فقد كنتُ في أول العمر طفلاً صغيراً وكان لي هذا النور كُهدىً لي في طريقي ودربي !
كنت لا أُقدم على شيءٍ بدونه ، ولا أبحثُ عن فرحةٍ ، ولا أهجرُ حُزناً ، ولا أصنعُ حلماً بدون مشاركته ..
كان لي كُل شيء ،

لكنّني لم أكن أعلم أن هناك للبشر في النهاية حريّة خاصة تكمُن في اختيار طريق الحياة الّتي يُريدون !
حتّى وإن تضمّن ذلك فراُق الأحبابِ والأصدقاء ! ، نعم إنها حقٌ للكل وليست أنانية ..
وَرحل ذلك الُهدهد الجميل ، ذلك النور البرّاق ، أعوامٌ مرّت علي وأنا أنتظر عودته ، أنتظرُ رغبته في العودة ، أنتظر حنينه ، أنتظر وفاءه ! هل يُعقل أنّ نفوس البشر سريعة التغيّر ؟ يا للعجب !
ومرّ عليّ عامٌ سابع أو ثامن مُنذ رحيلك ، فلم أعد أحُصي سنين غيابك ، لكن تذكر أنّك مهما ابتعدتَّ أيا هُدهدي فلن أنسى ذكرى جميلة غرستها في قلب طفلٍ بريء !
وتذكّر أنني مهما بحثتُ لي عن وطنٍ ، فلن أجد أجمل من قلبك لي وطناً ولا مأوى !
ستبقى عنّي مسافراً وسأبقى عنك بعيداً ، وستمضي الأيّام وستفرّقنا السنّون !
وستبقى أجمل هدهدٍ أقابله في حياتي ..
وسأعودُ لكِ يا سماء وأنادي شمسك الذهبية ..
التي وعدتني بأنه لا فراق بيني وبين ذاك النور الجميل !
أين ذاك الوعد ؟
أحقاً سأعود إلى غربتي من جديد ؟ أحقاً سأرجع إلى الظلام ؟!
لا أبداً فلم أعُد طفلاً صغيراً ، فالحياة مليئة بمن يحتاجون منّا نوراً نُضيء لهم دروب حياتهم ، وهُدىً يُرشدهم طريق سعادتهم ، سأكون مثلك يا هدهدي نوراً يُشّع ليملأ الكون سعادةً وجمالاً ، وسأستمد نوري منك ، وإن كنت عني بعيداً ، فنور الذكريات لا يخبو مع ظلمة الأيام وإن اشتدّ عليّ الظلام يوماً !
سأبقى أستمد قوتي من عبق نورك ، الذي لن أجده إلى في شريط ذكرياتي الخاص بكِ !
سأبقى وفياً لكِ يا هدهدي ، سأبقى لكِ ذاكراً ، سأظلُّ لكِ داعياً !

عن عبد اللّه فيّاض

شاهد أيضاً

ليتَه ابتسم

استقبلته عند الباب بابتسامة تترجم ما يخالج قلبها من محبة وسرورٍ حين لقياه، وما يعتصرها …

ريشة | مُجتمع الأدب العربيّ

في حضرة السادة الأشراف (1-2)

“مولاي صلي وسلم دائمًا أبدًا، على حبيبك خير الخلق كلهم”. ألحان وأناشيد تُسكر المريدين، فيطّوحون …

شاركنا تعليقك =)

%d مدونون معجبون بهذه: