الرئيسية / خواطر / كَبُرَت شَجَرَةُ الزَيتونِ
ريشة | مُجتمع الأدب العربيّ
ريشة | مُجتمع الأدب العربيّ

كَبُرَت شَجَرَةُ الزَيتونِ

يَركُضُ بخطواتٍ متعَثّرة .. الكثيرُ من الخوفِ يَعُجّ بدمائهِ ، يَلفّهُ طَيفُ الأيامِ فيزيدُ الظلمةَ حُلكةً من حوله، يحاول أن يُسرِعَ أكثَر لعلّه يََهرُب منها ، لكنّ الذكريات من خَلفِهِ ترمي بِحبالها حَولَ عُنُقِه ، كلما أسرَعَ ضيّقَت قَبضَتها تَخنُقُهُ … لا أحدَ يَهرُبُ من نفسِه ! لا احدَ يسبِقُ الزّمان ! 
… كانَ يوماً عادياً كأي يومٍ عندما تشاجرا تَحتَ شَجَرةِ الزّيتونِ تلكَ الّتي حَفظَت جدالاتِهِم اللانهائية فصارَت رسماً على أوراقِها ، تعلو أصواتَهم .. يغضبان .. يَشتمان ثمّ يَفتَرِقان يومين أو ثلاثة حتّى يتَصالحا… و لسوءِ حظّهم الزيتونُ ليسَ كأي شجرَةٍ تَفقِدُ أوراقها في شتاءٍ قَريب ! .. لِم يَعد يَذُكُرُ كلّا من وَليد و علي متّى بدأت شِجاراتُهم .. أيّ نارٍ تِلكَ الّتي أشعَلَت الفَتيلْ ؟ ****
… لَم يَكُفّ وليد عن القاء اسئلتِهِ بفرحٍ غامرٍ على أمّه و هو يَركضُ خَلفها : – سنَذهَبُ الى بيتِ جَدّي كلّ يوم ؟ و أركُبُ خَيلَه الأبيضَ كلّ يوم ؟ أمّي استسمحينَ لي بالنَومِ عندَ جدّي في نهاية الاسبوع ؟ 
و لَم تَكفّ أمّه عن اسكاته بوجهٍ يَعتَريهِ حزنٌ لَم يفهمه وليد .. بل لَم يعيره انتباها صَمتَت طويلاً قَبل أن تُجيبَه : لا ، سَنَنتَقِلُ هناك الى الأبد ! 
… مضى على انتقالِهِم الى بيتِ جَدّهم سنواتٍ طويلةٍ بَعدَ هدمِ بيتِهم لاعتراضِهِ الطريقَ الذّي أمرَ بانشاءه المحافِظ حتّى يَسهُلَ على اهلِ القريَتين الانتقالَ دونَ عناءٍ لطالما تكبّدوه . أمضى وليد في تلكَ السنوات أيامَهُ كما تَمنّى في بيتِ جدّه مع خيلِهِ الأبيَض ، و صديقهِ عليّ الّذي تعرّف اليه عندَ انتقالهِ الى قريةِ جدّه فأصبح كظّلهِ لا يُفرّقُهم الَا الظّلام عندما يَحلّ بَغتةً و هُم يَلعبونَ أو يتسامرون . 
.. لَم تَطُلْ سنواتُ الطريقِ الّذي جمَعَ القريتين و أخرجَ وليد و عائِلته من بيتِهم .. لم يَلبَث أن جاءَ القريَةَ محافظاً جديداً – على ما يبدو لم تَكُن علاقةُ المُحافِظَين على ما يرام – بنى جداراً عالياً بين القريَتَين ، لتثورُ ثورةُ اهاليهما . و كما عزَلَ الجدارُ الأرضين ،قَسَمَ الوَقتُ السماء التي تعلوهما .
…كان وليد و علي يَستَنكرانِ أعمالاً يقومُ بها المحافظيَن لتحريضِ كلَ من أهلِ القريةِ على القريةِ الأخرى ، فَكثُرَت الأحاديث ، و كثُرَ تأويلها … و وليد و علي لم يعودا صغيرين ! 
كلّ يومٍ يَحمِلُ خبراً .. من سَرقةِ خيلٍ ،أو حَرقِ مزرَعةٍ أو مشاجَرةٍ ما .. الَا و يتبادلَ وليد و عليّ الاتهامات كلٌّ يَتَهِمُ أهل قريةِ الآخر ، و يُلقيا اللومَ على بعضِهما .. حتّى يسيرا مُبتَعدينِ غاضبينِ .
.. كان وضعُ القريَتَين يزدادُ سوءاً و النزاعُ بينهما يتأجج حتى جاءت الليلةُ الّتي أَحرَقَ فيها مجهولونَ بيتَ المُحافِظ … و أشعَلَت النارُ الفَتيل ..
.. خَرَجَ الناسُ ببندقياتٍ و عصيّ و شعلاتِ نارٍ يغطّونَ وجوهَهم و يتسلقونَ الجدارْ .. يَضربونَ بعضهم و يَحرقونَ الشّجَرَ و البيوت..كانَت ليلةً بلا قَمَر !! 
..في تلكَ الأثناء تَحتَ شجَرة الزيتونِ ذاتها كانَ وليد يَقِفُ بلا حراكٍ و قد توَقَفَ الدَمُ في عروقِهِ ، فاتحاً عينيه على وسعِهِما و يدهُ مغموسةٌ بالدَم..طيفٌ مرّ أمامه في ظلامٍ أخير ، 
– ما اسمُك ؟ 
– أنا علي ، و انت ؟ 
– و أنا اسمي وليد من القريةِ المجاورة و انتَقلتُ الى هنا مؤخرا ، أتمانعُ أن نصبِحَ صديقين ؟ 
– اسأل شجَرةَ الزيتون

عن ميس الريم الحوساني

شاهد أيضاً

ليتَه ابتسم

استقبلته عند الباب بابتسامة تترجم ما يخالج قلبها من محبة وسرورٍ حين لقياه، وما يعتصرها …

ريشة | مُجتمع الأدب العربيّ

في حضرة السادة الأشراف (1-2)

“مولاي صلي وسلم دائمًا أبدًا، على حبيبك خير الخلق كلهم”. ألحان وأناشيد تُسكر المريدين، فيطّوحون …

شاركنا تعليقك =)

%d مدونون معجبون بهذه: