الرئيسية / قصص قصيرة / في حضرة السادة الأشراف (1-2)
ريشة | مُجتمع الأدب العربيّ
ريشة | مُجتمع الأدب العربيّ

في حضرة السادة الأشراف (1-2)

“مولاي صلي وسلم دائمًا أبدًا، على حبيبك خير الخلق كلهم”. ألحان وأناشيد تُسكر المريدين، فيطّوحون يمينًا ويسارًا بهزّ رؤوسهم كالبندول، وتخيم عليهم أدخنة السجائر وأبخرة الأطعمة المطهوة، وما كان مني في حينها سوى مراقبة كل ما يدور على الحصير الأخضر المفروش في أحد شوارع منطقة بشتيل بإمبابة، حتى ملأت معدتي بقطعة لحم ورحلت رفقة والدي وأخي.

 

بهذا المشهد افتتح مالك حديثه لي حول ما رآه في حلقة ذكر لإحدى الطرق الصوفية وهو في الخامسة من عمره، فحسب ما قال كان الحضور ينضوي تحت لواء فرد يُدعى محمد سعيد، وهو ناظر مدرسة بإحدى قرى الصعيد، فالكل وفق روايته “يؤلّهه”، فهو السيد الذي يقربهم إلى الله، وسيأخد بأيديهم لدخول جنات الفردوس.

 

“تمر السنون وتصعد روح محمد سعيد، الزعيم، إلى الرفيق الأعلى”، هكذا أكمل مالك روايته، مع تأكيده على لفظ “الزعيم”، فذلك الفصيل يطلق على نفسه “الزعامة” نسبة لكبيرهم، مردفًا: “يوم تشييع جنازته تبين ورثته من خلال وصيته أنه يريد أن يواري الثرى وسط جدران ساحة منزله، والذي يواجه بشكل مباشر المسجد الذي صلى فيه مريدوه عليه، رغم ذلك طاف المشيعيون بجثمانه في كل أركان البلدة الصعيدية حتى عادوا من حيث بدأوا تكريمه لدفنه.

 

هنا توقف مالك برهةً لالتقاط أنفاسه قبل أن يكمل “بعد أن ستر المريدون جثمان زعيمه تحت الأرض همّ أحدهم رافعًا صوته قائلًا: “أيها الناس.. لقد شَرُفنا الآن بحضور سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه” لتتعالى تكبيرات المشيعون في أعقاب الحضور –المزعوم- للصحابي الجليل”.

 

بكلمات مالك الأخيرة زاد شغفي لمعرفة ما يجول بخاطر هؤلاء. كيف يفكرون؟ ويتصرفون؟ وفيما يعتقدون؟ حتى أتت الصدفة التي تمنيتها.

 

والدي رجل في حاله. لا يخرج عن النص. منذ نشأتنا- أنا وإخوتي- يخبرنا أننا من نسل النبي (ص)، فبداية شجرة عائلتنا تبدأ من الحسين رضي الله عنه، ولإثبات ذلك اتجه إلى شخص يُدعى أحمد، وهو رجل في الخمسينات من عمره يشغل منصب رفيع بنقابة “الأشراف”، وهي التي تجمع –حسب زعمها- من يملكون شرف الانتساب للنبي (ص)، إلا أن الواقع يفرض نفسه، فنقيبهم اسمه “محمود الشريف”، وهو وكيل مجلس النواب الحالي.

 

هذا “الأحمد” أسمر اللون. مستدير الوجه، وضرب الصلع رأسه. ورغم زعمه بالانتساب للنبي إلا أنه يأتي ببدعة تدخين الشيشة، وبلقائي به، أنا ووالدي، وجدناه يرافقه شاب في أواخر عشريناته. بدين. بشرته بيضاء وشعره كاحل السواد، ووجدته مستمسكًا بمبسم الشيشة كذلك.

 

إذا اجتمعت بهم فلا تنتظر أن ينادوك بأستاذ، أو بحضرة، أو حتى بسيادتك أو معاليك أو “يا باشا”، وأنس صفتك المهنية، طبيبًا كنت أو مهندسًا، أو حتى “نشالًا”، فأنت مجبر على خلع ثوبك المعتاد لتصبح “الشريف”.

 

كانت الجلسة، على أحد مقاهي العباسية، تدور حول سرد أسماء عائلتي لتصل إلى اسم سيدنا الحسين. أوراق ملأت “الطأطوءة” المخصصة لوضع المشروبات وأحاديث جانبية حول مجال عملي الخاص، إلى أن وقع ما كنت أتمناه، فقال أحمد: “في قرية في الشرقية اسمها الغار.. فيها مقام للإمام يحيى والد السيدة زينب”، وبعد أن سحب أدخنة المعسل إلى رئتيه أكمل: “الرخام اللي في حيطان المقام بمرور الزمن ظهر عليه صور الانبيا.. محمد وعيسى وموسى وستنا مريم وغيرهم”، ثم سحب هاتفه المحمول وعرض عليّ –أنا ووالدي- صورًا من المكان المقصود.

 

بعد أن أنهى عرضه ختم حديثه بدعوتنا لزيارة هذا الصرح –بالنسبة له- بعد ثلاثة أيام، فلم نمانع، وفي حينها بدأت بوادر إكمال صورة ما سرده لي صديقي مالك تنمو، ورحلت عن المقهى وهما ينادوني بـ” يا شريف”.

عن محمود عبدالوارث

شاهد أيضاً

ريشة | مُجتمع الأدب العربيّ

دقّات ساعة

هُناك وَجدّتُ قطعةً باتت تُوضح معالم الصورة التي أُركّبها مع الزمن.. هدوءٌ ودقّات ساعة! كَليْلةٍ …

ريشة | مُجتمع الأدب العربيّ

إلى أين المُنتهى

*هدوء الليل و الضوء المخروطي الهابط من الأعمدة كالمسرح يُضيء رؤوس الأطفال الحالمين ،و تهادي …

شاركنا تعليقك =)