هُناك وَجدّتُ قطعةً باتت تُوضح معالم الصورة التي أُركّبها مع الزمن..
هدوءٌ ودقّات ساعة! كَليْلةٍ هدأت بعد المطر..
هو.. يكتب رسالةً ويُطلق الى السماء البصر,,
هي.. تمسح بإصبعها سطح النافذة وتتبع عُلوَّ الشجر,, وكلاهما ينظر للقمر..

بين زقاق المدينة غرفةٌ اشبه بالقبوْ, أحدهم فيها بين الكتب يعيش, غُبارها يتنفس, إضاءة خافتة بصوت كهرباء متقطع شكّلت خلفيةً متقنةً لروايةٍ يقرأها ؛ تدور احداثها في الزمن البعيد حيث صندوق الموسيقى العتيق..
“هناك قيل: حينما يجتمعا فجرٌ وباسم سيبزغُ فجرٌ باسم! ”

“كل يوم قبل سقوط الندى عن ورقات الشجر، حين تُداعب نسمات الهواء وجنتيها؛ كانت فجر تخرج الى بستانها المحاط بالسلاسل، مقيّدٌ بقفلٍ لا تملك مفتاحه، تترقب نمو زهرة التوليب التي زرعتها..”
فجر.. فتاة وحيدة لوالديها، -ولكل من اسمه نصيب- حين تبتسم ترى الشمس تشقُّ سواد الليل!
خرجت فجر كعادتها رغم تحذير والديها لها، جلست تتأمل والدمع يتلألأ في عينيها، قطع الصمت أحدهم يركض؛ لم تلمح إلّا لوناً أحمر بيديه، ما لبث أن اختفى بين أشجار الزيتون..
في تلك الليلة طال التفكير حتى أزعجها، لم تستطع النوم، انتظرت أول شعاع شمس حتى تنطلق إلى نفس المكان..
بدأت تقترب ولكن هذه المرة لم تكن كسابقاتها فهناك تجمعٌ لجنودٍ صهاينة يزداد كلما اقتربت، سمعت همساً يناديها، التفتت وإذ به شابٌ يحذرها أن تقترب ويكأنّه يعلم مبتغاها.. نظرت إليه، ملابسه ذكّرتها بذاك الذي رأته هارباً من قبل!
لم يُتح لها الكلام فقد كان مسرعاً، فقط عرّفها باسمه: باسم~~ وانطلق..

“عيناها بريئتان كطفلةٍ لم تُذنب يوماً”
هكذا قال باسم..

مضى اسبوع لم يسمح والدا فجر لها بزيارة البستان، لكنهما ضعفا أمام دموعها..
“كانت تجلس في مكانها بهدوئها المعتاد، تتأمل الورود والاشجار من خلف الاسوار والحصار، لكن هذه المرة تترقب أن يمر باسم..
وفعلا لم يخب ظنها وإذ به يخرج من بين سنابل القمح هادئاً على غير عادته فابتسمت. ”

“رأيت الحرية في ابتسامتها، واتسع الكون الضيق! ”

جلسا معاً، كان باسم -رغم ما عُرف عنه من الكتمان- يروي لها تفاصيل حياته حتى جاء يومٌ وتأكدت مما كانت تخشاه؛ هو من يقوم بقتل جنودٍ صهاينةٍ كل يوم مع اصدقائه..
احبته وازدادت عشقاً عندما عرفت، لكنها كانت تخشى أن تستيقظ يوماً لا تلقاه..

“انتظرها حتى تصل ليهديها وردة التوليب التي احبتها -فمن يقتل صهيونياً لا يصعب عليه قطف وردة من بستان محاصر- ، نظر في عينيها اللامعتين وقال: أحبك… ”
ومرت الايام وفجرٌ له الحياة وباسمٌ لها وطن..
اتفقا على الزواج.. لبنةٌ راسخة بوجه الاعداء، وما اقوى الحب في زمن الحرب!

“سمعتهم يقولون: باسم ملاحق.. باسم مطلوب..
راحت تركض ودمعاتها تنهمر، تصرخ باسم.. باسم.. وجدته ولكن.. وصلت مع من بدل القلب صخورٌ فيهم..
أطلقوا الرصاص عليه.. صُراخٌ يسود في المكان: ماتت فجر، ماتت فجر!
ألقت نفسها عليه فأصيبت ، اما باسم أخذوه أسيراً مذهولاً.. لم يعلم أن في العمر بقية لفجر، هو أُخذ أسيراً، وهي سافرا والداها بها لتلقي العلاج بالخارج..، ومرت السنين حتى شاء القدر وخرج باسم من السجن و… ”

قُطعت الكهرباء! ودقَّ جرس الساعة..
لم يُكمل ذاك روايته، وبدأ المطر يهطل بغزارة من جديد..