هوَ الصمتُ سيد كُلِّ موقف ، وَضاءٌ وَقور ، مُثقلٌ كاهله ، يُملي على قٌلوبنا أحجيةً مِن الذكريات اليتيمة ، لتفيضَ عيوننا بـ كَمٍ لا باسَ به مِن الدموعِ الميتَةِ الرّنانة .

آهاتٌ عشرينيةٌ ألف ، تُزمجِرُ في كُلِّ رُكنٍ مُنزوٍ بعيد ، آهاتٌ مُجلجَلةٌ ذات قوةٍ و بأس ، تصدحُ بعفةٍ و عنفوانٍ لا مألوف ، تستنكِرُ كُحلَّ الليل المُعدَم ، و تسترسِلُ ضعفاً و هشاشَة مِن ديسمبر .

ديسمبر ذو الجبروتِ المُدمي ، يُعدِمُ القَلم و يستبيحُ حُرماته ، يُصييرُه قسيساً حرَّم على نفسه كل شيءٍ ،  يُرثيه قبلَ أوانه ، لـ يُحلُّ عليه التيه دونما شفقة و رحمة .

قد يومئُ قَلمُ ما في ديسمبر ، قلمٌ حائر ، شائكٌ بطبعه ، لـ يُقحمَ نفسه بـ الحضيض دونما خوف ، لـ يكتبَ ما لا طاقة له به ، فَـ تراهُ فـ إذا به يَكتُب عن ديسمبر الخلّاق .

مُعتقٌ بـ لون الطفولةِ ديسمبر ، مُرتبطٌ بـ كل حُلمٍ جميل ، مُدللٌ كـ آخرِ العنقود ، ذو هيبة و سطوة و حضور ، يستحضِرُ جُلَّ أحلامنا المُرممةِ بالشَهد ، و يُلملِمُ شَتاتَنا المنفي ، فـ يُعيدُ جمعَ الشملِ على حذرٍ و حيطة ، لـ يستجمِعَ جُلَّ الجمالِ على وقعِ ” آه لو في الأحلام ” لأنستازيـا أسطورةُ الأطفال ، و أسطورةُ ديسمبر .

آه لو في الأحلام ، لو أمكَنَني لـ أصبحتُ سلاماً دافئاً يسيرُ مَع النسيم العليل ، لأطبِبَ به كُلَّ لَهوفٍ إلى سلامٍ جميل .

آه لو في الأحلام ، لو أمكَنني لأصبحتُ بَسمةً وَضاءة تنتصِفُ وجوهَ الآخرينَ عنوةً ، أهدهِدُ بها شوقَ كل شَغوفٍ إلى بسمةٍ دافئة .

آه لو في الأحلام ، لو أمكَنني لـ أصبحتُ رزقاً طيباً لـ كُلِّ كادحٍ قد أعياهُ ضنكُ العيش ، لـ أصبحتُ كلمةً طيبه لكُلِّ شَخص قد حُرمَ الرفق ، لـ أصبحتٌ مودةً تُعيدُ لملمَة شَملٍ قَد أوشَكَ على أن يفقدَ قُدسيته .

آه لو في الأحلام ، لو أن هذا الفضاء الرحب الواسع ، يُشرعُ مصراعيه لـ كُلِّ أطفالِ الأرض ، لـ يحتضنهم بـ عبقِ سديمه الحاني .

آه لو في الأحلام ، لو أنَّ لـ كلِّ يتيمٍ أم ، تأبى أن تُفارقه ، لو أنْ لكل واحدٍ منا أخوةٌ ألف يشدونَ أزرَه في كُلِّ حين .

آه لو في الأحلام ، لو أنَّ لكُلِ قَلمٍ عرّاب يملكُ مفاتيحَ حروفه ، لـ يُكتبَ كل شيءٍ جَميل ، لـ يستلَّ كل الذي ضُمرَ في القلب دونما حَرج .

آه لو في الأحلام ، لو أننا نجدُ في كلِّ رُكنٍ عاشقاً يُضنيه الوجد و يستنزِفه ، لو نجدُ شاعراً يكتُب غزلاً عُذرياً مُضمناً اسم حبيبته دونما حذرٍ و حطية .

أه لو في الأحلام ، لو ان هُنالكَ ليلٌ ، ذو رائحةٍ عَبقة ، يتسِعُ لكل العاشقين ، لكُلِّ اليتامى ، لكُلِ أمهاتِ الأرض ، لـ أباءِ الأرض ، لكل العاملين ، ليلٌ ذو رائحة عبقة ، يتسِعُ لـ كُلِّ الصالحين و لكُلِّ المُخلصين .