تسرقُنا الأبعادُ بـ حميمية لا ترابةَ فيها ، تُربتُ بوقار على أكتافنا المُثقلة دونَ سبب يُذكر ، لـ تتخذَ موقفاً دفاعياً يخذِلُ جُل تكهُناتنا المُرتمية يُمنة و يُسرة ، خاطفةً أضحل المواقفُ و أكثرها هامشية ، مُقتنصَةً أجملَ التفاصيل فيها .

تومىءُ الأبعادُ بحرفية لا مُتناهية ، لـ تستوقفنا عند كل مُفترق يُعنونه الحُبُ طوعاً ، مُستنزفةً كُل كنايات الحُب و كُل استعاراته بحثاً عن مفهومه السامي .

هو الحُب بحد ذاته بُعد خَفي ، مورقٌ مُتأصل بكل معاني العُنفوان و التسامي ، يتجسدُ عنوةً في كل شيء و في اللاشيء ، لـ يشغلَ حيزاً لا يُستهان به في الوجود و في العدَم ، هو الحُب نُبصره عفيفاً في الجماد ، حييا في السماء ، و مورقا في الأرض ، و يافعاً في كُل شيء حي .

هو الحبُ لازوديٌ بطبعه ، قداستهُ مُميتة مُضجرة ، تشغل جُلَّ أحوالنا و أمرنا ، تتصدرُ كل موقفٍ و كُل حدَث و إن كانَ عابراً ، رافضةً أن تُحررنا من جبروتِ الحُب المُحبب إلينا في أي وقتٍ كان .

 هو الحبُّ خلّاقٌ ، لدرجة تُنسيكَ وعيك المُفرط ، خلّاقٌ بقدر كُل شَيءٍ جميل ، يخطِفُنا إلى آفاقِ اللاوَعي البعيدة ، هو الحُب سيدُ التكهُنات المُنهكة ، سيدُ المواقف الهشة ، يرأفُ بكل نفس مُضناة ، لـ يُغدقَ عليها بقوة ليلكية مُرجأة .

يؤرِقُنا الحُب بـ أشكاله الألف ، يستنزفُنا بـ أطواره اللامعهودة ، فـ كُلما أسدلَ الليلُ عباءته الطهارة تيممَ الحُب في حضرة السَجى ، و أورقَ في عُمقِ دياجيه ، مُتجلياً بـ أسمى صوره في حضرة العنقاء ، لـ نجده في سجود يهدهِدُنا على استحياء مرموق ، و بـ حروفٍ سماوية تبعثُ فينا طُمأنينةً و روية ، تجبر ضعفنا دون مَن أو أذى .

 هو الحبُ عتيقٌ كـ فنجان قهوة عربي ، عريقٌ كـ لحن فيروزي يُدمنه الجميع ، حنونٌ كـ أم سامية ، و قورٌ كـ أب كادح أعياهُ ضنكُ العيشِ ، و مُختال كـ شقائق النُعمان ، و وقورٌ كـ أخ بعمرِ الوردِ مُحنكٌ فطين لم تلده امرأةٌ بعد .

هو الحُب نبصرُه في كل كَهل مُضنى ما زال يسعى لعيش كريم ، نُبصره في أولئك الذين يحنون إلى ليل بلادهم ، أولئك الذين يرجونَ وصلاً بـ أروقتهم القديمة ، يشتهونَ خُبزَ حاراتهم و حكايات كبارهم ، يشتهون كل شيء من رائحة الوطن الحَرون.

هو الحبُ نُبصره في كل عامل مُخلص لا يهمُه شي بقدر أن يُحلِلَّ ماله ، نُبصره في كل مُعلم مُتفان ، في شيخ سموح ، في طبيب قد تُضنيكَ رحابةُ صدره ، في ضحكات الأطفال المنتشية في الشوارع ، نبصره في رفقةِ درب يهدونَ لنا ذواتنا في لحظة ضَعف ، يتجلى بـ أبدع صوره في رسالة من صديق قديم أشغلته الحياة و لكنه لم ينساك ، نجده في أكثر المواقف هامشية ، في سلامٍ مُتبادل ، في ابتسامة تفيضُ احتراماً ، أو بحديث مُتبادل مع غُرباء لم تُصادفهم من قبل .

هو الحُب نجده في أعمدة الشوارع ، على أسوارِ المدارس المُزدانة بعباراتٍ تجذبُك بكل كيانك ، في الحافلات ، و في أقدمِ الحارات ، في الأروقة و الساحاتِ القديمة ، نراهُ في كل مكان ، في كل رُكن و إن كانَ مَنسي .

 هو الحُب يا رفيق أجزلُ من أن يحصر بوصف لا يُسمن و لا يُغني من جوع ، و حاشاه ثمَّ حاشاه من أن يكون موسمياً بطبعه ، هو خالدٌ مُتعنتٌ بـ الورد سرمدي الأثر .